العزوف السّياسي لدى الشّباب خيار أم ضرورة؟

الكلمات: مساهمات نشر في 29/04/2015 - 20:30 | آخر تحديث: 16/07/2015 - 03:23
عرض: aujourd'hui: 1 مجموع 421 مرة.
Soumis par: fayçal othmane

ظاهرة “العزوف السّياسي” في المجتمع الجزائري وخاصّة لدى شريحة الشّباب شكّلت منذ سنوات محور جدل كبير لدى المتابعين للشّأن السّياسي لا سيما في المواعيد الانتخابية، هذه التّسمية التي أطلقها رجال الإعلام على امتناع الشّاب الجزائري عن ممارسة حقّه الانتخابي ولامبالاته بالعملية السّياسية برمّتها، بل وتهكّمه على الفعل السّياسي ورجل السّياسة عموما أضحت ظاهرة تستحقّ الدّراسة والبحث والتّمحيص من أجل الوقوف على أسبابها ومآلاتها بالنّظر إلى أهمّية العمل السّياسي وأثره في بناء الدّولة والمجتمع حتّى لا يبقى الحديث عن هذه الظّاهرة مناسباتيا وسطحيا كغيرها من الظّواهر الاجتماعية-السّياسية الأخرى التي تنخر المجتمع من الدّاخل دون أن تجد الاهتمام والبحث المطلوبين بغية إيجاد الحلول اللاّزمة لها في وقت صار اللاّ حلّ حلاّ لمختلف مشاكلنا، وأضحى علاجها والبحث فيها ترفا بالنّسبة لصنّاع القرار الذين لا يرون داعيا للحفاظ على كيان المجتمع وتماسكه ولا يستجيبون لصوت الحكمة مهما كان مصدره.

تطالعنا كتب التّاريخ بالخبر اليقين حول دور الشّباب في نهضة الأمم وبنائها في فترات السّلم والحرب على حدّ السّواء، فهذا الإسكندر الأكبر يضع رجله على نصف الكرة الأرضية وهو لم يجاوز الخامسة والعشرين من عمره ويتطلّع إلى مزيد مجد لولا أن كان الحِمام أسبق، وهذا النبيّ داود يسجّل أعظم الانتصارات ويقتل أعظم طاغية في عصره جالوت وهو في عزّ الشّباب وتحت إمرة شاب من بني إسرائيل زاده اللّه بسطة في العلم والجسم اسمه طالوت كما ورد في القرآن الكريم، كما يسجّل التّاريخ الإسلامي بصمات لرجال عظماء حقّقوا في ريعان شبابهم مجدا لأوطانهم وشعوبهم لم يشهد له التّاريخ مثيلا؛ إذ كان الفاتحون وقادة الجيوش شبابا ملؤهم الإيمان الصّادق والحماس الدّافق يدفعهم العنفوان والرّوح الوثّابة إلى كتابة التّاريخ بحروف من ذهب، ولنا في قصّة أسامة بن زيد رضي الله عنه الذي أمّره النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام على جيش فيه أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما وهو في السابعة عشر خير مثال على دور الشّباب في القيادة، كيف لا وقد فتح محمد الفاتح القسطنطينية وهو في الرابعة والعشرين من عمره وأسّس الأمير عبد القادر دولة الجزائر الحديثة وهو في السنّ نفسها تقريبا(25 سنة) والأمثلة في نفس السّياق كثيرة لا يتّسع المجال لسردها.

هذا الاستطراد التّاريخي نورده هنا بغرض إقامة الحجّة على من يقولون إنّ الأمّة في حاجة إلى حكمة “كبار السّن” حتى وإن كانوا متردّدين واهني العزائم، لا إلى تهوّر الشّباب وحماسهم غير المحسوب مثلما يكرّر على مسامعنا السّاسة ومثقّفو السّلطة كلّما لاحت بارقة تحرّك شبابي في الأفق، مع الإشارة إلى أنّ هذه السّطور لا تهدف إلى استصغار كبار السنّ والحطّ من قيمتهم كما يحلو لبعض العقول أن تقول كلّما دعا داع إلى تمكين فتيان البلاد مقاليد القيادة، بل إنّ الأمر يسترعي الانتباه إلى خطورة تغييب شريحة الشّباب عن العمل السّياسي واستبعادهم المقصود عن القيام بأمور المجتمع وتحمّل مسؤوليات البناء والتّشييد بدلا من الرّكون إلى الدّعة والسّكون التي ألفها شباب اليوم اختيارا حينا واضطرارا في أحيان كثيرة.

وبالعودة إلى تاريخ الثّورة التحريرية التي خطّط لها وقادها شباب مؤمنون بقضيّة وطنهم، يحملون همّ تحرير الجزائر من نير المحتلّ وبدراسة العقدين الأوّلين من فترة الاستقلال نجد أنّ هذه الثلّة من الشّباب هي التي كانت لها اليد الطّولى في تحقيق النّصر، وبناء الجزائر الحديثة رغم ما شاب الفترتين من أخطاء ونزاعات مصالح انتهت في كثير من المرّات بالاغتيالات والمآسي، ولأنّ هؤلاء هم من لازالوا إلى اليوم في سدّة الحكم وهم من يحرمون الشّباب من ممارسة حقّهم في حكم أنفسهم بأنفسهم، بودّي أن أسألهم كيف سمحوا لأنفسهم باحتكار السّلطة والسّطو على حقّ جيلي الاستقلال الأوّل والثّاني في الحكم والقيادة كما فعلوا هم في السّابق، وما الذي يجعلهم يصرّون على استنزاف طاقات شباب الجزائر في سفاسف الأمور وموبقات الشّرور؟

رغم أنّ الشّباب يشكّلون الجزء الأكبر من تركيبة المجتمع الجزائري إناثا وذكورا غير أنّ لا أثر لهم في الحياة السّياسية حتّى أضحت رؤية مدير صغير السنّ في مؤسّسة عمومية أو على رأس وزارة ما معجزة لا يحلم بها أشدّ النّاس تفاؤلا، والأمر نفسه في باقي مؤسّسات الدّولة باستثناء المؤسّسة الأمنية التي لامسها الدّاء أيضا في رأسها ونخشى أن يمتدّ لباقي الجسد، ولا يقتصر الأمر على مؤسّسات الدّولة فقط بل حتّى المجتمع المدني لا يقوم على هيئاته إلاّ كبار السّن، وهو ما يجسّد حالة من وصاية وأبوية الكبار على الصّغار تكاد تأتي على البلاد بأكملها، ذلك أنّ الطبيعة لا تحتمل الفراغ وطاقات الشّباب إن لم تُستغلّ لمصلحة البلاد سيأتي حتما من يستغلّها ضدّ تلك المصلحة وهو ما نشاهده في عديد البلدان العربية التي سار مسؤولوها على نهج نظرائهم في الجزائر فسقطوا وأسقطوا دولهم،لأنّهم لم يٌعدّوا جيلا يخلفهم بسبب الرّعونة وسوء التّقدير الذي يحملونه لكلّ فكر أو عمل تجديدي لاسيما إن صدر عمّن يعتبرونه صغيرا لا يفرّق بين جمر وتمر.

إنّ حقيقة العلاقة التي تربط الشّباب الجزائري بالعمل السّياسي اليوم تتراوح بين الرّغبة الجامحة في الإمساك بمقاليد الحكم والمسؤولية من أدناها إلى أقصاها من جهة، ومن جهة أخرى الإقصاء الذي يتعرّض له الشّباب الواعي المثقّف من قبل المجتمع الذي يراه حالما ومتطلّعا أكثر ممّا يجب بسبب تقليد سياسي واجتماعي رسّخ فكرة المسؤولية لكبار السّن فقط في ذهن الفرد الجزائري كنتيجة لنصف قرن من الممارسة السّياسية ذات البعد التّسلّطي والفكر الأبوي الذي واكبها، وأيضا كنتيجة لإبعاد مراكز البحث وإنتاج الفكر من جامعات ومؤسّسات تعليمية أخرى عن السّياسة ما ولّد حالة من الارتباك والضّبابية في الأوساط العلمية ولّدت هي الأخرى شعورا بالعدائية تجاه كلّ ماهو سياسي.

الشّعور بالعدائية تجاه الفعل السّياسي يمكن تلمّسه بسهولة في الأوساط الطلاّبية حيث ينأى الطّالب بنفسه عن السّياسة ويفرّ حتى طالب الحقوق والعلوم السّياسية من مناقشة الرّاهن السّياسي فرار الشّاة ذعرها الذّئب بعدما ألقت “النخب المستقطبة” وأصحاب النّوايا الدنيئة من إطارات الجامعات في روع الطّالب أن النّقد والمعارضة رذيلتان سياسيتان يحرّم عليه مجرّد التّفكير فيهما، لهذا لم يعد مستغربا أن يجهل الشّاب الذي يفترض أن يكون ذا فكر ووعي وثقافة أسماء مسؤوليه وسياساتهم فضلا عن ممارسة الفعل السّياسي، وهو ما يقودنا إلى القول بأنّ مناهج التّعليم القائمة على التّلقين والحفظ اللّذان يحرمان المتعلّم من ممارسة التّفكير النّقدي التي يتربّى عليها الفرد في مختلف مراحل تعليمه ولاسيما الجامعي تعلّم الطّالب الجنوح إلى اللاّمبالاة واللاّمسؤولية والتهرّب من العمل المجتمعي إن جازت التّسمية؛ ممّا ترك المجال مفتوحا أمام طائفة غير مؤهّلة للعمل السّياسي لولوج مؤسّسات هامّة في الدّولة كالبرلمان الذي غزاه الحرفيون والأثرياء الجدد من رجال الأعمال الفاقدين لأيّ تكوين علمي وسياسي وهي معضلة أخرى ليس المجال للتوسّع فيها في هذه السّطور.

إضافة إلى سياسة التّخويف من العمل السّياسي التي مارستها ولا تزال تمارسها السّلطة منذ بداية التعدّدية السّياسية بصفة خاصّة، والممزوجة بأفكار معلّبة بخصوص لا جدوى الوعي السّياسي التي تبثّها في المجتمع من خلال وسائل الإعلام، والتّشنيع بكلّ الأنشطة السّياسية التي يكون مصدرها الشّباب كما حدث قبل الرّئاسيات الأخيرة وجدت السّلطة في البيئة السّياسية مرتعا خصبا للإقصاء عند الأحزاب خارج السّلطة في معظمها مع حفظ الاستثناء، حيث تسيّر بنفس منطق السّلطة؛ فهي إمّا بعيدة عن القاعدة الشّعبية وإمّا عاجزة عن اجتذاب الشّباب للانضمام إليها بسبب تذبذب نشاطها والارتكاز على العمل المناسباتي، وكذا سيطرة الجيل القديم عليها وهو ما أدّى إلى نفور الشّباب منها بالنّظر إلى وجود نفس الوجوه على رأسها وهو ما عقّد العلاقة بين الشّباب والنّضال السّياسي أكثر وأفقد هذا الأخير مصداقيته ونكهته، وعمّق صراع الأجيال الثلاثة؛ جيل الثّورة وجيلي الاستقلال الأوّل والثّاني على كلّ المستويات.

من خلال العلاقة المتوتّرة بين الشّباب والسّياسة نخلص إلى القول أن هذه الحالة المرضية لها دور كبير فيما وصلت إليه البلاد من عجز ووهن وفساد مسّ جميع المستويات والقطاعات والهيئات، وهو ما أدّى إلى صعوبة إحداث التّغيير اللاّزم من أجل رفع مستوى الأداء السّياسي في الجزائر وتحقيق طموحات الشّعب الجزائري الراغب في  تحقيق الرّقيّ الحضاري وبلوغ مستوى معيشي يليق بإمكاناته، ويساهم في إنجاز الطّفرة المطلوبة لبلوغ ما تنشده كلّ مجتمعات العالم الثّالث من نهضة لا تجد سبيلا للوصول إليها لحدّ اليوم لأنّ العماد الذي تقوم عليه هذه النّهضة مغيّب ومحتقر وسواعد الشّباب التي من المفترض أن تبني البلاد مثقلة بقيود القهر والظّلم وليد البيروقراطية المقيتة والأبوية الجاثمة على صدور الشّباب، علما أنّ هذا الأخير قوّة لا تقف إلاّ على طرف نقيض إمّا أن تعمّر أو تدمّر، تبني أو تهدم، ترفع الأمّة أو تحطّها، فهل يعي ساستنا أنّ عليهم أخذ الأوّل من كلّ هذه الثّنائيات واستغلاله في خدمة الوطن؟

في نفس القسم: مساهمات

اليوم العالمي للمرأة

الجزائر: اسم البلد جمع مذكر،

من الصعب مناقشة حقوق المرأة في الجزائر! انها ليست فقط في الرجولة.لكن الصعوبة في مجال السياسية وأساسا في طبيعة النظام. لأنه سيكون من السذاجة الاعتقاد أنه مع الحركة النسوية، مطالبالمرأة ستؤدي إلى  استعادة مكانها الحقيقي ...
مقال نشر في 11/03/2017 - 09:59 - من قبل: AMOKRANE Lakhdar

مساهمة

السماء لا تمطر ديمقراطية ولا حرية!

لا يختلف اثنان من أننا نعيش وضعا سياسيا مزريا، وأنه أبعد ما يكون عن الديمقرطية الفعلية والعمل السياسي النزيه. فكل المؤشرات وكل القرائن تصب في خانة العبث السياسي بالنظر للتراجع في معايير دولة الحق والقانون بعد أن أضحت...
مقال نشر في 28/11/2015 - 19:07 - من قبل: Younes Sabeur

مساهمة

شهداء نوفمبر يرحلون إلى فلسطين

رائحة طيبة تخرج من الأرض أشمها كل سنة مع حلول تاريخ أول نوفمبر، مرجِعُها الدماء الطاهرة التي سقت هذا البلد الحبيب. شحنة كبيرة من الشعور الغريب، الشعور الجميل، اَتية من الفخر بالانتماء إلى نفس طينة العظماء الذين صنعوا...
مقال نشر في 01/11/2015 - 18:49 - من قبل: Younes Sabeur

مساهمة

أين التقشف يا سلال؟

إن واقع الإقتصاد الجزائري حاليا ينذر بحدوث مالا تحمد عقباه خاصة مع تراجع إحتياطي الصرف وتراجع قيمة العملة فالإقتصاد الجزائري دخل أزمة حقيقية سببها هو سوء التدبير والتبذيرالعشوائي للأموال التي صرفت هنا وهناك بغير تخطيط...
مقال نشر في 31/10/2015 - 10:28 - من قبل: Younes Sabeur

مساهمة

أطلبوا الإستدانة ولو من الصين؟

 إن الضبابية التي تلف تسيير الموارد المالية للدولة تدعونا كنخبة مثقفة إلى طرح الكثير من الأسئلة التي طرح بعضها من قبل والتي من خلالها نستطيع دخول دهاليز الفساد وكشف النقاب عن خيانة عظمى للوطن الحبيب.  إن شرذمة من الساسة...
مقال نشر في 31/10/2015 - 10:20 - من قبل: anonyme

الإقتصاد الريعي وعقلية الرعاء

إن أبسط مواطن في الجزائر يعرف تمام المعرفة أن الاقتصاد الجزائري مبني أساسا على عائدات الجباية البترولية وأن اقتصادنا اقتصاد ريعي بمعنى الكلمة هش في بنيته غامض في توجهاته أعرج في مساره شاذ في أفكاره والسبب يعود أصلا إلى...
مقال نشر في 11/07/2015 - 01:19 - Rubrique: اقتصاد - Auteur: الأستاد أحمد معط الله

المعارضة قوّة اقتراح لا خيانة وطن

منذ تمّ تعديل الدّستور الجزائري عام 1989 الذي سمح بالانفتاح السّياسي بدأت تتشكّل في الجزائر أحزاب وصحف أطلق عليها وصف المعارضة من طرف الإعلام والسّياسيين حتّى أضحت بطاقة هويّة هذه الكيانات مرتبطة أساسا بسؤال:"مع أو ضدّ...
مقال نشر في 25/04/2015 - 17:56 - من قبل: fayçal othmane
قيم الهوية الثقافية و اللغوية

من أجل جزائر جزائرية

قيم الهوية الثقافية و اللغوية

1.قيم الهوية يكون بناء الهوية يوميا بحرية التعبير و بالأجوبة التي يقدمها شعب من الشعوب لقضايا الحياة الكبرى . و ليس في إمكان أي كان أن يفرغ هوية الشعب من محتواها و لا أن يوقف مصيرها. ففي هذه المبادئ استقى النساء و...
مقال نشر في 26/12/2014 - 19:50 - Rubrique: حضارة - من قبل: AMOKRANE Lakhdar